الشيخ محمد رشيد رضا
347
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
* * * ( 24 ) إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ لما كان سبب ما ذكر من البغى في الأرض وافساد العمران هو الافراط في حب التمتع بما في الدنيا من الزينة واللذات ضرب لها مثلا بليغا يصرف العاقل عن الغرور بها ، ويهديه إلى القصد والاعتدال فيها ، واجتناب التوسل إليها بالبغي والظلم ، وحب العلو والفساد في الأرض ، وهو عبارة عن تشبيه زينتها ونعيمها في افتتان الناس بهما وسرعة زوالهما بعد تمكنهم من الاستمتاع بها ، بحال الأرض يسوق اللّه إليها المطر فتنبت أنواع النبات الذي يسر الناظرين ببهجته ، فلا يلبث أن تنزل به جائحة تحسه وتستأصله قبيل بدو صلاحه والانتفاع به ، قال عز وجل إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ أي لا شبه لها في صورتها ومآلها إلا ماء المطر في جملة حاله الآتية فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ أي فأنبتت الأرض أزواجا شتى من النبات تشابكت بسببه واختلط بعضها ببعض في تجاورها وتقاربها ، على كثرتها واختلاف أنواعها مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ بيان لأزواج النبات وكونها شتى كافية للناس في أقواتهم ومراعى انعامهم ، وكل مرامي آمالهم حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ أي حتى كانت الأرض بها في خضرة زروعها السندسية ، وألوان أزهارها الربيعية ، كالعروس إذا أخذت حليها من الذهب والجواهر ، وحللها من الحرير الملون بالألوان المختلفة ذات البهجة ، فتحلت وازينت بها استعدادا للقاء الزوج - ولا تغفل عن حسن